ابن سبعين
255
بد العارف
قرع جسم جسما فر الهواء من بينهما وانضغط حتى يتصل بالاذن الحاضرة ويعطيها من التمويج بحسب ما في صورته . وما عندهم من صورة القرع والقارع لا تغير يلحقه ولا نقلة له عن مكانه ولا يبرح حيث هو وانما وصل للقوة الحساسة منه الأثر لا غير فاعلم ذلك . والقول عليها كالقول على حاسة البصر . أعني ان مدرك البصر لا يتغير من موضعه حيث هو . والانسان لما كان في رأسه كوة وفيها صماخ وهي الاذن وهي قريبة من الروح النفساني . والهواء المقروع من شأنه إذا فر أمام القرع ان وجد في طريقة كوة دخل فيها وان لم يجد مر على تموجه إلى أن تتم مادته . فإذا قدرنا اذن الانسان في طريقه دخل فيها كما يدخل في كوة الحائط ، وتموج الهواء الساكن هنا كما يتموج الهواء الذي في الحائط . وجسم الانسان فيه الحياة ، والحي إذا لم نفسد آلته يدرك بذاته فيحس بذلك كله على أتم ما يجب ، وهذه الحاسة تقوى في بعض الناس وتضعف . وكذلك الامر في سائر الحواس كلها . وقد قال بعض الناس ان الحواس لا حقيقة لها من حيث هي وانما الادراك والمدرك والمدرك منها انما هو بحسب ما يجعل فيها ويخلف في الوقت ، واحتجاجهم في ذلك ان الجسوم لا تدرك وهذه جسوم فالادراك انما هو خلق قوة الادراك في وقت القرع وبالجملة عند اجتماع الحاس والمحسوس . وقد قال بعضهم الحس عرض والمحسوس ولواحقه عرض والعرض لا يدرك ولا يقوم بنفسه . وقال بعضهم الادراك والمدرك واحد بدليل ان الحس انما هو قائم بنفس الحاس . والمحسوس فإنما هو من قبيل الأجسام المركبة ، وان سمينا كل مركب جسما فالجماد يحس . وهذا الكلام كله هذيان لا حقيقة له وحرمان لا يحتاج العاقل ان يقرب منه ولا يأخذ عنه وهو اركّ من أن ينسب إلى السفسطة وأسخف من أن يضاف إلى الطنطنة . والصمت للجاهل فيما لا يدري زينة وستر . والكلام له في الذي يجهله نقمة وكسر . والحق الذي لا يحتاج معه إلى غيره ولا يضطر إلى شيء دونه ولا فائدة